samedi , 22 septembre 2018
Accueil » Culture » « أبو مطرقة.. دونكيشوط البؤس المنهجي. « عبد القادر الدحمني
« أبو مطرقة.. دونكيشوط البؤس المنهجي. « عبد القادر الدحمني

« أبو مطرقة.. دونكيشوط البؤس المنهجي. « عبد القادر الدحمني

أبو مطرقة.. دونكيشوط البؤس المنهجي.
يختزل صورة البؤس العربي كاملة..
ويجسّد الدونكيشوطية التي تصيب من يريد الرجوع في زعمه إلى صحيح الدين والحياة الإسلامية، بلا فقه ولا أولويات ولا كتاب منير، بله الذوق والفن..

غيْرة عارمة غير منضبطة، أو فتاوى تجزيئية ضد منطق التاريخ وحكمة الوقت وأساليب التغيير، هي ما حركت رجلا ملتحيا فأخذ مطرقة واعتلى نحتا لامرأة بمدينة سطيف بالجزائر، ليبدأ في كسر التمثال دون اهتمام حتى بالناس الذين بدأوا بالصراخ عليه أو ضربه، الرجل بدا منشغلا بما هو أهم: « هدم الأصنام »، « نصرة للإسلام »، و »حفظا للعقيدة »..

ورغم أن التمثال وضعه الاستعمار الفرنسي هناك لاستفزاز المصلين كما يقول الجزائريون ( بناه النحات الفرنسي فرانسيس دو سانت – فيدال سنة 1898 ويجسّد امرأة عارية تعتلي نافورة مياه)، وبعيدا عن النقاش الشرعي، أعتقد أن هؤلاء هم الذين يشددون على المسلمين بجزئيات فقهية مختلف فيها أصلا، ويتيهون بالأمة في نقاشات سوفسطائية تستحضر فتن التاريخ وأمراضه وعلله وثاراته وأحقاده، فيشتتون الناس، ويبذرون لوثة الصراعات، والتكفير..
وهؤلاء أنفسهم من يزكون عبادة أصنام الحكام والطواغيت ويتحجرون على اجتهادات فقهية شاذة ويجعلونها أصناما مقدسة تعلو حتى على مقاصد الإسلام وروحه وجوهر رسالته.

أبو مطرقة أُرِيدَ منه أن يرسل رسائل الهمجية والسطحية والعنف.. في ثوب جهاد ونصرة للعقيدة وخدمة للمسليمن بإزاحة تمثال عار لامرأة في الشارع العام..

صحيح أن المستعمر ترك لنا حفنة مغتربة تريد أن تعيش على النمط الغربي في كل خلاعاته وتفرضها على الغالبية قهرا، وصحيح أنه توجه يخالف غالبية الأمة في اختياراتها الفنية والثقافية..وهو أمر يوازي مخالفتها في إرادتها السياسية وفي أرزاقها الاقتصادية بالغصب والإكراه والاحتكار والاستبداد..

تحطيم الأصنام الحقيقي، هو هدم داخلي لشهوات النفس وأنانيتها وكبرها وشراهتها وأمراضها كلها..
تحطيم الأصنام هو كنس العقول من الأفكار البائدة وحطام الآراء المتجاوزة وخردة البنيات المعرفية المنخورة..
تحطيم الأصنام هو كسر الخوف من البشر وعبادة البشر وآراء البشر، وهذا هو التحرر الذي سعى إليه الإسلام حقا.. وما التمثال إلا مظهر خارجي لبنية ثقافية ومعرفية وحضارية معينة..

فالأساس هو الاشتغال على تغيير هذه البنيات، لأن المعركة معركة نفوس وعقول وضمائر أولا، ضد الجهل والخرافية والاستصنام الفكري، والمعركة ثانيا ضد المتحكمين في إرادة الأمة، المسيطرين على أرزاقها وإرادتها السياسية..
المعركة الأولى تربوية تعليمية توعوية إيقاظية تعبوية، والمعركة الثانية عدلية جهادية تنظيمية سياسية، بهذا فقط تسقط الأصنام الحقيقية، وسوى ذلك فرقعات للإلهاء الإعلامي وانحرافات سلوكية تجني على الإسلام ورحمته ورقيّه..
أبو مطرقة المسكين، ضحية قعود العلماء عن تبيان الدين الحق للناس، وضحية استقالة المثقفين عن التنوير الحقيقي، وهو نتاج ثلاث أمور أساسية:

– خنق الحركات الدعوية والإسلامية المستنيرة، لأنها تقدم وجها حضاريا ولديها مشاريع سياسية بشرية تزاحم بها الحكام، وتسليط إعلام البترودولار ودعاته وفتاويه لتكفيره هذه الحركات وتسفيهها وتبديعها، وهذا كان يحدث بتنسيق تام مع الأنظمة، ولْيُراجَع في هذا الصدد اعتراف وزير الأوقاف السابق المدغري عن دعم النظام للسلفيين لمحاربة العدل والإحسان وغيرها.

– التسيب الذي خلّفته أموال البترودولار التي دعمت شيوخ الفتاوى التجزيئية الشاذة والمضحكة أحيانا، والخادمة للأنظمة أو لأعداء الأمة بصفة عامة، هكذا فرّخ هذا الدعم عددا من الجمعيات، والقنوات، والمشايخ والكراسي العلمية في الجامعات، لخدمة هذه الاجتهادات التضييقية والمسارات المتناقضة والتي يكون مرتكزها الأساس إشغال الشعوب بالسفاسف والجزئيات والصراعات المذهبية، ليخلو الجو لممارسة قيادة القطعان بلا ضجيج ولا نأمة.

– التمكين لقلة لادينية، في أجهزة الإعلام وحقول الثقافة ومراكز صناعة الرأي، وسعي بعض هؤلاء الرموز لمصادمة الأمة وإثارة بعض المواضيع بشكل يستفز العامة التي تحتفظ بعواطف إسلامية متأججة، لكن يغيب عنها فقه التغيير، وفهم الاختلاف، فتنفعل وتغضب وتتشدد، فيصير ذلك مرتعا خصبا لمن أراد توظيف ذلك في أي اتجاه، ومنه بذور صناعة الإرهاب..

عبد القادر الدحمني

A propos de admin

Répondre

Votre adresse email ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont marqués d'une étoile *

*