jeudi , 23 novembre 2017
Accueil » Culture » الفاسقون.. سقوط آخر الكهنة.. 2/5
الفاسقون.. سقوط آخر الكهنة.. 2/5

الفاسقون.. سقوط آخر الكهنة.. 2/5

في سنة 306 أعلن القيصر اعتناقه لدين النصرانية، وفي سنة 325 حتى انعقد مجمع نيقيا حيث اتفق أساقفة الكنيسة على طرد أصحاب المذهب الأرياني الذين كانوا يقاومون عقيدة تأليه المسيح عليه السلام. واختار الأساقفة الأناجيل الأربعة التي راقت اتجاههم لتكون هي النصوص الرسمية من دون الأناجيل التي ورد فيها ذكر نبي الهدى الذي بشر به المسيح عليه السلام مثل أنجيل برنيا. وفي سنة 787 انعقد المجمع الثاني في مدينة نيقيا ليثبت مشروعية عبادة التصاوير ويطرد من كانوا يقاومون عبادتها. وهكذا استمرت مجامع الكرادلة والأساقفة تحت سلطة البابا المنتخب تمارس سلطتها في التشريع، وتبني ما تراه من المعتقدات، وتؤول، وترسم الاتجاه الديني والسياسي للكنيسة. لا يحد من سلطتها نصوص هي نفسها اختارتها من بين النصوص العديدة التي ما منها كلمة واحدة ثبتت عن المسيح عليه السلام بالسند الثابت المنقود نقدا علميا كما هو الشأن في نصوص الحديث الشريف. وأقدم ما بأيديهم من هذه النصوص إنما هو ذكريات كتبت بعد رفع نبي الله عليه السلام بأكثر من سبعين سنة. وهكذا أمكنهم أن يشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كما يشاؤون.

بدأ الفاسقون، كما وصفهم الله عز وجل في كتابه، في ممارسة التحريف والاتجار منذ عهد قسطنطين يقول « درابو »: « دخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة ومناصب عالية في الدولة الرومية بتظاهرهم بالنصرانية ولم يكونوا يحتفلون، ولم يخلصوا لها يوما من الأيام. وكذلك كان قسطنطين، فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلا في آخر عمره ».

في الجانب الآخر، بينما الرهبان في أديرتهم يعانون الجوع الإرادي، وقهر النفس، انطلق القساوسة والأساقفة والبابوات ورؤساء الكنيسة يمارسون المتعة واللذة والفسق في أخبث مظاهره، إلى جانب الأباطرة والقياصرة وأمراء الإقطاع يقطفون زهرة الحياة الدنيا حيث لا تراهم أعين الشعوب المرهبنة.

يقول الراهب جروم: انحطت إن عيش القسوس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء والأغنياء المترفين. أخلاق البابوات انحطاطا عظيما، واستحوذ عليهم الجشع وحب المال. وعدوا طورهم، حتى كانوا يبيعون الوظائف والمناصب كالسلع. وقد تباع بالمزاد العلني، ويؤجرون أرض الجنة بالوثائق والصكوك وتذاكر الغفران. ويأذنون بنقض القانون، ويمنحون شهادات النجاة، وإجازات حل المحرمات والمحظورات كأوراق النقد وطوابع البريد ! ويرتشون ويرابون. وقد بذروا المال تبذيرا، حتى اضطر البابا « إنوسنت » الثامن، ومعنى إنونسنت: البريء! أن يرهن تاج البابوية. ويذكر عن البابا « ليو » العاشر أنه أنفق ما ترك البابا السابق من ثروة وأموال، وأنفق نصيبه ودخله، وأخذ إيراد خليفته المرتقب (من بعده) سلفا وأنفقه ويروى أن مجموع دخل مملكة فرنسا لم يكن يكفي البابوات لنفقاتهم وإرضاء شهواتهم.

حتى بداية القرن الحادي عشر الميلادي، كانت الكنيسة قد اشتد عودها وأصبحت منافسة للإمبراطورية. بل إنها أثبت سيادتها، حتى إن الإمبراطور هنري الرابع اضطر أن يمثل بين يدي البابا في قلعة كانوسا متضرعا مستغفرا. وأصبح يضرب المثل لكل من انهزم أمام خصمه واضطر للخضوع، فيقال : « ذهب إلى كانوسا »..

كان من الممكن بعدئذ للكنيسة أن تستعمل سلطانها الواسع ونفوذها السياسي والاقتصادي والمعنوي، ووجودها على جميع المستويات في كل أنحاء أوربا لكي ترفع من مستوى الشعوب وتكون عامل تقدم وتحرر. ولكن لسوء حظ النصرانية، ولسوء حظ الأجيال اللاحقة، هيأت الكنيسة جو الظلم والاضطهاد الذي ترعرعت فيه جراثيم الأوبئة الاجتماعية وخرافية الفكر. ثم تفاقم فسادها وإفسادها رغم تقلص نفوذها في القرون اللاحقة، حتى لفظ مفكرو أوربا الكنيسة وكل ما تمثله، وارتدوا إلى المادية الوثنية التي اتخدت أشكالا فلسفية وسياسية، إلى أن قامت الثورة الفرنسية عام 1789 بكسر الغل المميت الذي كان يخنق العقل والنفس.

كانت الكنيسة تقاوم العلوم النظرية والتطبيقية التي كانت تأتي من البلاد الإسلامية، من صقلية والأندلس. فكان الطب العلمي يحارب لترتع الشعوذة، وبذلك عاشت أوربا قرونا طويلة عاش الناس أثناءها تحت كابوس الأوبئة والطاعون. كانت تعاويذ القس تدر عليه أرباحا، فلِمَ يترك الطبيب ينافسه ؟ وبث الرهبان في كتبهم أفكارا مخطئة في مجالات متعددة من مجالات المعرفة كالتاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية والفلك. وليتهم إذ فعلوا ذلك قالوا : « هذا ما وصل إليه علمنا »!  » لكنهم أخذوا يؤيدون هذه الخرافات بحجج « دينية » ويدعمونها بنصوص مأثورة عندهم. فكلما تفتحت عقول الباحثين الأحرار للنتائج العلمية الإسلامية، وكلما تعلمت تلك العقول النقد المعرفي انكشف تزوير آباء الكنيسة. فلم يكن أمام هؤلاء للدفاع عن سمعتهم وسمعة دينهم الذي ورطوه في هذه المغامرات إلا أن يكفروا كل من عارض « الجغرافية النصرانية » و »علم الفلك النصراني » وسائر مسلماتهم. يكفرون علماءهم الأحرار ولو كانت كل البديهيات تؤيدهم، حتى اضطر غاليليو أن « يقتنع » أمام المحكمة بأن الأرض لا تدور اتقاء ذلك البطش الفاتك.

حتى جاء القرن السادس عشر، إذ انبعثت ثورة مقاومة للاضطهاد الكنسي والفساد الكنسي المتمثل في البابوية وبيع صكوك الغفران من داخل الكنيسة نفسها.
لكن هؤلاء الثوار النصارى لم يستطيعوا التخلص من الجرثومة التي نشأ منها الفساد وتوالد: ألا وهي الدين المحرف. إنما استطاعت الحركة البروتستانتية، خصوصا في الإمارات التي تكون اليوم ألمانيا، أن تتحالف مع أمراء الإقطاع الذين كانوا يرغبون، لأسباب سياسية، في التخلص من سلطان البابا. وبهذا الحلف استطاع المذهب البروتستانتي الذي يسمونه إصلاحا أن يحرر الناس من القس وكرسي الاعتراف و »الشفاعة » و »الغفران » وسائر تلك الطقوس. واستطاع أن يصرف الناس عن وجه الكاهن إلى « الإنجيل » مباشرة، وهو الأناجيل المحرفة المزورة، التي اختارها الأساقفة، سنة 325 حين انعقد مجمع نيقيا، وحيث اتفق أساقفة الكنيسة على طرد أصحاب المذهب الأرياني، الذين كانوا يقاومون عقيدة تأليه المسيح عليه السلام، وهي الأناجيل التي راقت اتجاههم لتكون هي النصوص الرسمية من دون الأناجيل التي ورد فيها ذكر نبي الهدى الذي بشر به المسيح عليه السلام مثل أنجيل برنيا.

لم تكن الأمة المحمدية بدعا من الأمم، ولم تكن لتستثنى من سنة الله في عباده، وكما ظهر فاسقون في الأمتين الموسوية والعيسوية، فكذلك ظهر فاسقون في هذه الأمة المحمدية، اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، فأفتوا لحامل السيف الخارج على الأمة بالبغي والعدوان، بقطع رؤوس المعارضين وسبي نساءهم واحتواش أموالهم، كل ذلك وفق « الكتاب والسنة »، الذين أولوا نصوصهما تأويلا وتحريفا.

في الحالة الإسلامية، ظهر كهنة الإستبداد مبكرا، وهم الذين مكنوا للإستبداد الأموي ومن جاء بعده، ليتسلط على رقاب المسلمين، بالسيف والقرآن.

(يتبع)..

Adnan Ahmadoun

A propos de admin

Répondre

Votre adresse email ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont marqués d'une étoile *

*