jeudi , 23 novembre 2017
Accueil » Culture » الفاسقون.. سقوط آخر الكهنة.. 3/5
الفاسقون.. سقوط آخر الكهنة.. 3/5

الفاسقون.. سقوط آخر الكهنة.. 3/5

لم يتفاجأ المسلمون، بظهور كهنة معبد الإستبداد، لقد حذر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مبكرا من ظهورهم، كما حذر القرآن الكريم كذلك، وأعطانا أوصافهم وأفعالهم.
مع الصدمة الأولى، التي تلقاها المسلمون، وانكسار الوحدة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه وما نتج عن تلك الفتنة المؤلمة. كان أهم نتيجة لتلك الفتنة تحول نظام الحكم من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك عاض، وكان من هذه الشجة المردية في الرأس فساد الحكم.

لكن هذه الصدمة على فداحتها واستفحال نتائجها على العصور إلى الآن ما لبثت أن استوعبها عقل المسلمين واستساغها وعيهم، فعايش العلماء من أهل السنة والجماعة فساد الحكام باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بوقوع التحول من الخلافة إلى الملك العاض، وسكتوا عن كثير مما كان ينبغي أن يقاوموه تهمما منهم وحفاظا على « بيضة الإسلام » وشوكته وقوته ووحدته أن تنكسر، مهما كانت هذه الشوكة وهذه الوحدة.
قبل الحديث عن صدمة الإنكسار التاريخي الأول، وتداعياته المختلفة على الأمة، لا بد من الوقوف مع مرحلة الخلافة الراشدة الأولى، على منهاج النبوة، لنأخذ العبرة كيف بدأ الإنهيار، وكيف تسلل الفاسقون الذين استعملهم الإستبداد حتى وطن حكمه على رقاب العباد وتراب البلاد.

قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

قال أبوبكر بن العربي في تفسير هذه الآية: «قال علماؤنا: هذه الآية وعدُ حقٍّ، وقول صدق، يدل ذلك على صحة إمامة الخلفاء الأربعة، لأنه لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا. فأولئك مقطوع بإمامتهم، متفق عليهم. وصدَقَ وعدُ الله فيهم. وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم. واستقر الأمر لهم. وقاموا بسياسة المسلمين، وذبوا عن حوزة الدين. فنفذ الوعد فيهم(…). قام أبو بكر بدعوة الحق، واتفاق الخلق (انتخاب الصحابة إياه)، وواضح الحجة، وبرهان الدين، وأدلة اليقين. فبايعه الصحابة. ثم استخلف عمر فلزمت الخلافة، ووجبت النيابة، وتعين السمع والطاعة. ثم جعلها عمر شورى، فصارت لعثمان بالنظر الصحيح، والتبجيل الصريح، والمسَاقِ الفسيح(…). ثم قُتل عثمان مظلوما في نفسه، مظلوما جميعُ الخلقِ فيه. فلم يـبق إلا عليٌّ، أخْذاً بالأفضل فالأفضلِ، وانـتقالا من الأوَّل إلى الأول».

توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يترك لأصحابه وصية فيما يتعلق بالحكم إلا استخلافه أبا بكر على الصلاة. فاستنبط منها الصحابة دليلا على أحقية أبي بكر، إذ قالوا: «رجل رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لدينـنا، أفلا نرضاه لدنيانا؟». فبعد مناقشة المسألة في سقيفة بني ساعدة، اجتمع رأيهم على أبي بكر الصديق فبايعوه. وكان تـنافس الأنصار والمهاجرين على الإمارة في افتـتاح ذلك المجلس تسابُقا إلى الخير ما خَلَّفَ حزازات. وطوت الأيام سريعا ذلك النقاش في ظل الأخوَّة، وفي ظل جلائل الأعمال.

ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذه الوصيةَ الجامعة التي رواها عن ابن مسعود كل من البزار والطبراني في الأوسط وابن سعد وابن أبي الدنيا، قال ابن مسعود: «دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أمنا عائشة رضي الله عنها حين دنا الفراق. فنظر إلينا فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم ثم قال: مرحبا بكم! حياكم الله!
آواكم الله! نصركم الله! وأوصيكم بتقوى الله. وأوصي بكم الله، إني لكم منه نذير مبين، ألاّ تعلوا على الله في بلاده وعباده. وقد دنا الـمُنْقَلَبُ والـمَرْجِعُ إلى الله، وإلى سِدرة المنـتهى، وإلى جنة المأوى، وإلى الكأس الأوفى. فاقرأوا على أنفسكم وعلى من دخل في دينكم بعدي السلام ورحمة الله ».

كان العلو في الأرض والاستكبار على العباد أهمَّ ما حذر منه الأمة في وصيته النذيرُ المبـين صلى الله عليه وسلم. فعاشت الأمة ثلاث سنوات في خلافة أبي بكر كلها جهاد للقضاء على تمرد الأعراب وردتهم، حتى لا تكونَ فتـنةٌ ويكونَ الدين كله لله. ثم جاءت خلافة عمر فازدهرت الأمة، حتى ظهر قرنُ الفتـنة في جريمة اغتيال الخليفة العادل، على يد غلام جاهلي، اندس في المجتمع الإسلامي، فكان رأسَ الحَرْبَةِ لقُوَى العصبـية الصاعدة مع توسع رقعة دار الإسلام، وموت خيار الصحابة، وتشتت باقيهم في الأمصار.

انـتخب الصحابة أهلُ الشورى الإمامَ الشهيدَ عثمان رضي الله عنه، سارت الأمور على الوتيرة الأولى صدرا من خلافته. ثم التف بنو أمية من حوله، وكوّنوا بطانة ما لبـثـت أن استبدت بالأمر. وارتكبت الفظائع فاستيقظ العنف. وكان مقتلُ الإمام الشهيد رضي الله عنه الشَّقَّ الذي أخذ يتسع بما أحدث من نـتائج تاريخية حتى شكل بداية انكسارنا ووهنـنا.

نشِبَـتِ الفتـنة الكبرى بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، واجتمع الصحابة على سيدنا علي كرم الله وجهه. قام أهل الشام يطالبون بدم الشهيد، فنازعوا إمام الأمة، واتخذوا ذريعةً لقتاله وجودَ طوائف من الغوغاء الثائرين على عثمان تحت ألويته. قال القاضي ابن العربي يذكر الفتـنة بعد مبايعة الإمام عليٍّ رضي الله عنه: «لأن عثمانَ رضي الله عنه قُتِلَ والصحابة بُرَءاءُ من دمه. لأنه مَنَعَ من قتال من ثار عليه، وقال: لا أكون أوَّلَ من خَلَفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بالقتل. فصبر على البلاء، واستسلم للمحنة، وفَدَى بنفسه الأمة. ثم لم يمكن تَرْكُ الناس سُدىً.فعُرِضَت الإمامةُ على باقي الصحابة الذين ذكرهم عمر في الشورى، وتدافعوها. وكان عليٌّ أحقَّ بها وأهلها. فقبلها حَوْطَةً على الأمة أن تُسْفَكَ دماؤها بالتهارج والباطل. ويتخرق أمرها إلى ما لا يتحصل. وربما تغير الدين، وانْقَضَّ عَمودُ الإسلام.

فلما بويع له طلب أهلُ الشام في شرط البـيعة التمكينَ من قَتَلَةِ عثمان، وأخْذَ القَوَدِ منهم. فقال لهم علي: ادخلوا في البـيعة، واطلبوا الحق تصلوا إليه. فقالوا: لا تستحق بيعةً وقَتَلَةُ عثمانَ معك نراهم صباحا ومساء. فكان علي في ذلك أسدَّ رأيا، وأصوب قولا. لأنَّ عليا لو تعاطى القَوَدَ منْهم لتعصبت لهم القبائل، وصارت حربا ثالثة. فانـتظر بهم أن يستوثق الأمْرَ، وتـنعقدَ البَـيْعَةُ العامّة. ويقع الطلبُ من الأولياء في مجلس الحكم. فيُجْرِيَ القضاءَ بالحق».

لولا العصبية القبلية، لما كان التمرد على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ولما كان الخروج على ولي الأمر الشرعي، ولما استمر لعن الإمام علي كرم الله وجهه على المنابر، حتى أوقف ذك الخليفة عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه. تدثرت الحمية الجاهلية برداء مطالبة الأولياء بدم شهيد المحراب، فكان الباب الذي منه تسلل الفسقة، الذين تعاملوا مع القضية كنازلة فقهية، فتمت بداية التلاعب بالدين واستخدامه بما يتوافق مع مشروع الإستيلاء على الحكم ورفع السيف على رقاب الأمة بعد ذلك ببيعة الإكراه.

نقل ابن كثير أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي رُدِّيَ، فهو يَنْـزِعُ بذنبه». وروى أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من دعا إلى عصبـية، وليس منا من قاتل على عصبـية، وليس منا من مات على عصبـية». وروى البخاري عن جابر قال: «كنا في غَزاة فكَسَعَ (ضربه على ظهره) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار. فقال الأنصاري: يالَلأنصار! فقال المهاجريُّ: يالَلْمهاجرين! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دَعوها! إنها مُنْـتِنَةٌ »..

وإذا تـتبعنا تاريخنا من أصوله عثرنا على سر هذا التطور الذي أخضع للسيف رقابا كانت حرة، وأرغم أنوفا كانت بعزة الإسلام شامخَة. كانت ذمة المؤمن الذي لا يخون وعده قد اغتيلت ورُوِّضَتْ لتدخل تحت طاعة المستبد. روى البخاري عن نافع قال: «لما خلع أهلُ المدينة يزيدَ بن معاوية جمع ابن عمر حَشَمَهُ وولده فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُنْصَبُ لكل غادر لواءٌ يوم القيامة. وإنا قد بايعنا هذا الرجلَ على بـيعة الله وبـيعة رسوله. وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يـبايع رجل رجلا على بـيعة الله وبـيعة رسوله، ثم ينصِبَ له القتال. وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع (يعني الذين خلعوا يزيد) في هذا الأمر إلا كانت الفيصلَ بـيني وبـينه ».
هذا صحابي جليل وفيٌّ يخاف عاقبة الغدر. لكن كيف بايع؟

قال القاضي ابن العربي: «وقال ابن خياط: إن بـيعة عبد الله ليزيد كانت كَرْهاً. وأين يزيد من ابن عمر؟ ولكن رأى بدينه وعلمه التسليمَ لأمر الله، والفرارَ عن التعرض لفتـنة فيها من ذهاب الأنفس ما لا يفي بخلع يزيد. ولو تحقق أنّ الأمر يعود بعده في نصابه. فكيف وهو لا يعلم ذلك»1. قال ابن العربي بعد هذا النقل: «وهذا أصل عظيم. فتفهموه والتزموه ترشُدوا إن شاء الله تعالى». يوصي رحمه الله وغفر لنا وله بالوفاء بـبـيعة المستبد.

هكذا نرى أن فصل الدين عن السياسة كان في الحقيقة إخضاع الدين للسياسة، واستغلال تقوى المتقين لتطويقهم بـبـيعة الإكراه. ولما كانت الفتن المذهبـية داء مقيما في تاريخنا، وكان الخوف من ضياع الدين وسَط تلك الصراعات يسيطر على العقول، فقد أصبح قَبولُ رِبْقة البـيعة الإكراهية «أصلا» يوصي به المشايخ تلامذتهم.

(يتبع)..

Adnan Ahmadoun

A propos de admin

Répondre

Votre adresse email ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont marqués d'une étoile *

*