
بعد كل أزمة عالمية، يجد المواطن المغربي نفسه في مواجهة واقع اقتصادي واجتماعي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم؛ واقع احتكار تديره فوضى الأسواق، ويغذيه تغول لوبيات الوسطاء من « الشناقة والفراقشية »، وتعمقه سياسات غائبة عن روح الاستباق والتخطيط، حتى أصبحت القدرة الشرائية للمواطن — والشباب خاصة — أول ضحايا هذا الاختلال البنيوي الصارخ.
فلم تعد الأزمات الاقتصادية المتلاحقة في المغرب مجرد عوارض عابرة تفرضها تقلبات السوق الدولية أو صدمات سلاسل الإمداد، إنما أصبحت نمط إنتاج قائم بذاته، حيث يجد الشباب المغربي نفسه اليوم في مواجهة واقع سريالي بامتياز؛ واقع يكرس معضلة أن قدر المواطن في كل أزمة عالمية هو التحول إلى خزان تمويل لتغطية تكلفة الغلاء، بينما تخرج فئة متنفذة من هذه الأزمات محملة بأرباح فلكية.
تثير موجة الغلاء السابقة والحالية التي يعيشها المغاربة تساؤلات جوهرية حول الطبيعة الحقيقية للأزمة في حد ذاتها، خاصة وأن المعطيات الميدانية تشير إلى أن الارتفاعات الفاحشة في الأسعار لم تكن يوما رهينة تقلبات أسعار المحروقات وحدها، وإن استُخدمت الأخيرة كغطاء لتمرير زيادات غير مبررة. لقد سبقت هذه الموجة واستمرت عبر قطاعات حيوية تمس المعيش اليومي، مما يعكس اختلالات أعظم في منظومة حماية المستهلك، ويكشف عن اختلالات بنيوية عميقة في منظومة الأسعار وغياب تام لآليات المراقبة الفعلية.
إن المشهد الحالي يتجاوز تداعيات الأزمة العالمية ليدخل في سياق النهب المنظم الذي تديره لوبيات تتقن الرقص على جراح القدرة الشرائية للمواطنين. فتدخل الدولة، الذي يفترض قانونا وأخلاقا أن يكون ضامنا للتوازن الاجتماعي، أضحى في كثير من الأحيان آلية لخدمة لوبيات تحكم قبضتها على المفاصل الحيوية للاقتصاد الوطني. وبدل أن يتوجه الدعم والتدخلات العمومية لحماية الفئات الهشة والشباب المحاصر بالبطالة، نجدها تُسخر بطرق ملتوية لتستقر في جيوب عصابة الاحتكار. هذا الوضع يجعل من تدخل الدولة، في صورته الراهنة، دعما غير مباشر لترسيخ الاستغلال، عوض أن يكون كابحا لجشع المضاربين الذين استباحوا جيوب الفقراء وراكموا الثروات.
ويظهر جليا أن المواطن المغربي قد أُجبر قسرا على الاضطلاع بدور الممول الأول لفشل الاختيارات الاستراتيجية الرسمية، ليجد نفسه المسدد الوحيد لفاتورة وكلفة هذا الفشل، في وقت تتهرب فيه اللوبيات المستفيدة من أداء واجبها الوطني في التضامن والمسؤولية. مما يرسخ القناعة الشعبية بأن بعض الأزمات قد تُفتعل، أو على الأقل يتم إطالة أمدها عمدا، من أجل تحقيق منافع خاصة ضيقة لفئة لا ترى في الوطن سوى سوقا للاستهلاك.
في هذا السياق المتصل بالتحكم في تفاصيل حياة المغاربة، تبرز الساعة الإضافية كرمز صارخ لمنطق القرارات المفروضة قسرا خارج سياق الزمن الاجتماعي والنفسي للمغاربة. إنها تمثل وجها آخر للاستلاب والتحكم، باعتبارها أداة إضافية لضبط إيقاع الحياة اليومية وفق مصالح اقتصادية ضيقة وإملاءات خارجية لا علاقة لها براحة التلميذ في الصباح الباكر أو بإنتاجية العامل، إنما هي إمعان في فرض الوصاية على أدق تفاصيل الوجود الإنساني للمواطن.
ومن المغالطة الكبرى اختزال مأساة الغلاء في ارتفاع أسعار النفط دوليا؛ لا أحد ينكر أن إن ارتفاع أسعار المحروقات زاد من حدة الأزمة، لكنه يظل مجرد واجهة لإخفاقات أعمق؛ فالحقيقة المرة أن المحروقات كانت مجرد المحرك الذي كشف عورة اقتصاد يفتقر للحماية السيادية وللإرادة السياسية الصادقة.
لقد سمعنا كثيرا عن « السيادة الطاقية » منذ أكثر من عقد، وبيعت للمواطن اوهام الاكتفاء الذاتي والاستقلال الطاقي. لكن بعد سنوات من المشاريع الفاشلة المكلفة والديون الثقيلة، ازداد الاقتصاد هشاشة. يكفي حدث عالمي حتى ترتبك السوق الوطنية، وكأن القرار الاقتصادي ليس بيدنا. هذه ليست أزمة ظرفية، بل دليل على غياب رؤية استراتيجية حقيقية، وعلى سوء تدبير كلف البلاد مليارات الدراهم دون تحقيق الاستقلال الاقتصادي المنشود.
والمفارقة المؤلمة أن هذا الانكشاف يتزامن مع تضخم المديونية وتآكل الخدمات الأساسية. شباب بلا شغل، تعليم مثقل بالأعطاب، صحة تعاني الاكتظاظ، وأسعار ترتفع بلا توقف. في المقابل، يستمر اقتصاد الريع، وتُمنح الامتيازات، وتُترك المبادرات الشابة المستقلة تغرق في العجز والإفلاس…
إن الدولة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتحمل مسؤوليتها الكاملة في معالجة جذور الغلاء من منبعها، والكف عن تقديم التبريرات الظرفية الواهية التي لم تعد تنطلي على أحد.
وإن استمرار هذا الوضع يثقل كاهل الأسر المغربية بشكل غير مسبوق، ويؤكد الحاجة الماسة إلى تدخل جذري يقطع مع تحالف السياسة والمال، ويعيد الاعتبار لمؤسسات الرقابة التي يبدو أنها استقالت من مهامها أمام تغول « الشناقة » الكبار في أسواق الجملة والوقود والمواد الأساسية.
لقد وصل الاحتقان الاجتماعي إلى مستويات قياسية، ولم يعد الشباب المغربي، المسلح بالوعي والقدرة على التمييز، قابلا لتحمل المزيد من الضغوط التي ترهن مستقبله وتصادر حقه في حياة كريمة وتشعره بالغبن والظلم الاجتماعي المتنامي في وطنه، في ظل غياب الإرادة الحقيقية لتغيير اوضاعه، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
أين هو الاقتصاد التضامني، الذي نادت به الخطب والشعارات بكونه حلا لإدماج الشباب؟! لقد تم تهميشه لصالح اقتصاد ريعي يكافئ الاحتكار ويعاقب المبادرة.
إن أي نموذج تنموي يتغافل عن معضلة الاحتكار هو نموذج محكوم بالفشل، وهو بمثابة إعادة تدوير لنفس الأزمات بوجوه جديدة. فالمرحلة الراهنة تقتضي قطيعة نهائية مع منطق التدبير بالأزمات الذي يستنزف طاقات البلاد.
المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى هو إرادة سياسية حقيقية ضد الفساد تضع حدا لتغول اللوبيات، وتوقف نزيف ضرب القدرة الشرائية للمواطن فورا. فالأوطان لا تدار بسرقة مقدرات الشعب لتسمين حسابات الأقلية « المحظوظة ».
نقول لتجار الأزمات وسدنة اقتصاد الريع، أن العدالة الاجتماعية الحقيقية ليست شعارا يرفع في المواسم الانتخابية لاستمالة الأصوات، إنما هي حجر الزاوية في بقاء الوطن، وشرط وجودي لاستقرار المجتمع الذي لا يقبل المساومة أو المزايدة.
إنها لحظة لا تقبل التواري خلف التبريرات الواهية؛ فالمسار اليوم يتحدد بين خيارين لا ثالث لهما، إما المساهمة الحقيقية في بناء اقتصاد وطني عادل يحصن كرامة المواطن ويحقق السيادة الكاملة، غذائيا، وطاقيا، وأمنيا، وسياسيا، وإما التمادي في مغامرة غير محسوبة العواقب ترهن حاضر البلاد ومستقبل الشعب المغربي في يد فئة لا تشبع.
إن المصلحة العليا للوطن تقتضي وقف هذا النزيف فورا، صونا لوطننا من منزلقات الفوضى، وحفظا له من السقوط في متاهات الارتهان والتبعية المقيتة…
حفظ الله البلاد والعباد من عبث الفاسدين.
شبيبة العدل والإحسان
الجمعة 15 شوال 1447 هـ
الموافق لـ 03 أبريل 2026م

Comments